أبي حيان التوحيدي

371

المقابسات

أوجب علينا حسن الأدب التفرق عنه . فما مرت أيام حتى نظمنا ذلك المجلس وضمنا مثل ذلك الأنس ، فقال له بعض أصحابنا ، وأظنه أبا الخير اليهودي : إن أذنت لنا في تمام الذي من تلك الجهة العذبة ؟ فانا صدرنا عنها وبنا برح ، ومن وهب اللّه له ما وهب لك خليق بالجود على المستحق ، ومن عرفه اللّه ما عرفك حرى بالتلطف في المسألة ، وأنت بحر اللّه في الخلق تقذف بالجواهر ، وشجرة العقل في العالم تخرج ضروب الثمر في كل حين وإبان ، فلا زلت مكنوفا بالمعرفة ، مؤيدا بالنصرة ، جوادا بالعطية ، بدّاء بالرفد ، محببا إلى القلوب ، حاليا بالعيون ، ممدحا بالألسنة ، مصحوبا بالتوفيق ، مذكورا بالثناء الفائق متنافسا عليه بالطارف والتالد فقال : لولا أنى أعلم أن عشق الحكمة حرككم بهذه الكلمات الغر وهذه الفقر التي توفى حسنا على الدر ، لأثنيت عليكم ، ورددت أنفاسكم إليكم ، شفقة على مروءتكم من عادة المتملقين ، وصيانة لأعراضكم عن دنس المماذقين ، فجولوا الآن فيما أحببتم فما يبخل بالحق على أهله إلا شقى ، ولا ينفس بالصواب على طالبه إلا دنى ردى فقيل له : فما العقل ؟ فقال : العقل خليفة العلة الأولى عندك ، يناجيك عنه ويناغيك به ، ويبلغ إليك منه ويدلك على قصده والسكون في حرمه ، ويدعوك إلى مواصلته والتوحيد به ، والاهتزاز إليه ، والاعتزاز به . وهذا كله نصح لا غش فيه ، ورفق لا عنف معه ، وبيان لم يخلط به تلجلج ، ويقين لا يطيف به تخلج قيل له : فقد قيل إن العقل مأخوذ من العقال فقال : هذا كلام خلف ، ومعناه دنس ، ودعوى متهافة ، إنما يدل الاشتقاق من الكلمة على جهة واحدة ، والمطلوب المتنازع ، لأنه مأخوذ من تركيب الحروف وتأليف اللفظ وصورة المسموع . أترانا إذا نطقنا بلغة أخرى ، بالرومية أو الهندية ، بمعنى العقل لكنا نريد به معنى العقال ؟ لا واللّه ! بل هذا المعنى موجود